أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
443
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون « من » على أصل التقاء الساكنين ، وضمّها الباقون اتباعا لضمّ الثالث . وليس هذا الخلاف مقصورا على هذه الكلمة ، بل إذا التقى ساكنان من كلمتين ، وضمّ الثالث ضمّا لازما نحو : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ « 1 » قُلِ ادْعُوا « 2 » قالَتِ اخْرُجْ « 3 » جرى الخلاف المذكور . إلّا أنّ أبا عمرو خرج عن أصله في « أو » « 4 » ، و « قل » « 5 » فضمّهما ، وابن ذكوان خرج عن أصله فكسر التنوين خاصة نحو : مَحْظُوراً انْظُرْ « 6 » ، واختلف عنه في : بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا « 7 » ، و خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ « 8 » ، وسيأتي بيان الحكمة في ذلك عند ذكره إن شاء اللّه تعالى . قوله : غَيْرَ باغٍ نصب على الحال ، واختلف في صاحبها ، فالظاهر أنه هو الضمير المستتر في « اضطرّ » ، وجعله القاضي وأبو بكر الرازي من فاعل فعل محذوف بعد قوله : « اضطرّ » ، قالا : تقديره : فمن اضطرّ فأكل غير باغ ، كأنهما قصدا بذلك أن يجعلاه قيدا في الأكل لا في الاضطرار . قال الشيخ « 9 » « ولا يتعيّن ما قالاه » ، إذ يحتمل أن يكون هذا المقدّر بعد قوله : « غير باغ ولا عاد » بل هو الظاهر والأولى ، لأنّ في تقديره قبل « غير باغ » فصلا بين ما ظاهره الاتصال بما بعده ، وليس ذلك في تقديره بعد قوله : « غير باغ » . و « عاد » اسم فاعل من عدا يعدو إذا تجاوز حدّه ، والأصل : عادو ، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كغاز من الغزو . وهذا هو الصحيح ، وفيه قول ثان : أنه مقلوب من عاد يعود فهو عائد ، فقدّمت اللام على العين فصار اللفظ : عادو ، فأعلّ بما تقدّم ، ووزنه : فالع ، كقولهم : شاك في شائك من الشوكة ، وهار والأصل هائر ، لأنه من هار يهور ، قال أبو البقاء : « ولو جاء في غير القرآن منصوبا عطفا على موضع « غير » جاز » يعني فكان يقال : ولا عاديا . وقد اختلف القرّاء في حركة التقاء الساكنين من نحو : « فمن اضطرّ » وبابه ، فأبو عمرو وحمزة وعاصم على كسر الأول منهما ، والباقون على الضم إلا ما يستثنى لبعضهم . وضابط محلّ اختلافهم : كلّ ساكنين التقيا من كلمتين ثالث ثانيهما مضموم ضمة لازمة ، نحو : « فمن اضطرّ » أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا « 10 » قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ « 11 » قُلِ ادْعُوا اللَّهَ « 12 » أَنِ اعْبُدُوا « 13 » وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ « 14 » مَحْظُوراً انْظُرْ « 15 » وفهم من قولي « كلمتين » الاحتراز من أن يفصل بينهما بكلمة أخرى نحو : إِنِ الْحُكْمُ « 16 » فإنّ هذا وإن صدق عليه أنّ الثالث مضموم ضما لازما ؛ إلا أنه قد فصل بينهما بكلمة أخرى وهي أل المعرفة . ومن قولي : « ضمة لازمة » الاحتراز من نحو : أَنِ امْشُوا « 17 » فإنّ الشين أصلها الكسر ، فمن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين ، ومن ضمّ فللإتباع . واستثني لأبي عمرو موضعان فضمّهما : وهما : قُلِ ادْعُوا * أَوِ انْقُصْ مِنْهُ ، واستثني لابن ذكوان عن ابن
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 10 ) . ( 2 ) سورة الإسراء ، آية ( 110 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 31 ) . ( 4 ) سورة المزمل ، آية ( 3 ) . ( 5 ) سورة الإسراء ، المتقدمة . ( 6 ) سورة الإسراء ، آيتين ( 20 - 21 ) . ( 7 ) سورة الإسراء ، آية ( 49 ) . ( 8 ) سورة إبراهيم ، آية ( 26 ) . ( 9 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 490 ) . ( 10 ) سورة المزمل ، آية ( 3 ) . ( 11 ) سورة يوسف ، آية ( 31 ) . ( 12 ) سورة الإسراء ، آية ( 110 ) . ( 13 ) سورة المائدة ، آية ( 117 ) . ( 14 ) سورة الأنعام ، آية ( 10 ) . ( 15 ) سورة الأنعام ، آيتين ( 20 - 21 ) . ( 16 ) سورة الأنعام ، آية ( 57 ) . ( 17 ) سورة ص ، آية ( 6 ) .